الشنقيطي
118
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [ 6 ] . ذكر موسى ولم يذكر معه البشرى بالنّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر عيسى فذكرها معه ، مما يدل بمفهومه أنه لم يبشر به إلا عيسى عليه السلام ، ولكن لفظ عيسى مفهوم لقب ولا عمل عليه عند الأصوليين ، وقد بشرت به صلى اللّه عليه وسلم جميع الأنبياء ، ومنهم موسى عليه السلام ومما يشير إلى أن موسى مبشرا به قول عيسى عليه السلام في هذه الآية : مصدقا لما بين يدي ، والذي بين يديه هي التوراة أنزلت على موسى . وقد جاء صريحا التعريف به صلى اللّه عليه وسلم وبالذين معه في التوراة في قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً إلى قوله تعالى : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ [ الفتح : 29 ] . كما جاء وصفهم في الإنجيل في نفس السياق ، في قوله تعالى : وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة . وجاء النص في حق جميع الأنبياء في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) [ آل عمران : 81 ] . قال ابن كثير : قال ابن عباس ما بعث اللّه نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث وهو حيي ليتبعنه ، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه . اه . وجاء مصداق ذلك في قصة النجاشي لما سمع من جعفر عنه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « أشهد أن رسول اللّه وأن الذي نجد في الإنجيل ، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ، وما قاله أيضا : واللّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه . في حديث طويل ساقه ابن كثير ، وعزاه إلى أحمد رحمه اللّه « 1 » . وكذلك دعوة نبي اللّه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ البقرة : 129 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود أحمد في المسند 1 / 461 .